اليوم يأتي غدا


ما تريده الآن.. هل يمكن ان ينقلب عليك؟ وهل يصير لعنة تطاردك لما بقي من حياتك؟ الذي تريد ان تكونه الآن, هذا الخفاء القابع في احشاءك! ماذا لو كانت حقيقة ذلك الخفاء غولك الموعود, المخبىء تحت سريرك؟ تذكره ذلك الغول الذي طالما حذروك منه, لا أحد يريد احضار “الديب الى كرمه”.. احذر الأحلام التي تفوق الارادة…

كل ما أردته يوما, هو ان اكون امرأة.. امرأة بألف روح وزجاجة من ماء. امرأة تلّف خيط الصوف, كرات متراكمة فوق بعضها للأبد. امرأة ترسم أروع اللوحات, أعظم الرسومات. أمرأة… فقط. كل ما أردته يوما هو أن أصير امرأة بنهدين متناسقين, بسمرة فخذيها فوق السراب, بنقاط العرق المتصببة من جبينها.. أمرأة بكل لفظات الشتائم, وما ساعت الكتب من سباب. أحتاج كياني اخضر قليلا, أشقر ربما, وقد افضّل لون شفاهي برتقالية, لكنني أريد ان أكون أمرأة!

هكذا حدّثتني الأيام عن قصتها, او قصّته, حسبما تريد الأزمان, أو الصدف…

ارجع قليلا, الى ساعات ما قبل النوم, منذ الصغر, حكاية اعجبتني, كثيرا ما كنت اطلب من امي ان تخبرني اياها, ساعة “قبل النوم”, قصة ليلى والذئب, وخاصة اذا سمعتها من أمي, وكل المؤثرات الصوتية التي تضيفها اليها, تخيّل التراجيديا والخيال الذي يدفع بطفل ان بيتسم, لا بل يضحك, على قصة فيها من العنف والآذى ما فيها.

–”ارجع قليلا الى النوم” أقول لنفسي بدون ان أحرك شفتيّ

-“لا الآن ليس وقت النوم” تصيح تلك التي كانت هادئة جدا, حتى ظننتها جزءا من الديكور ونسيت ان اسألها ان كانت تحتاج “بيجاما” ترتديها, او حتى ان كانت تنوي لقضاء الليلة هنا..

-ارجع قليلا الى النوم, ” أعيد على مسامع الجميع.. أعيدوا الي كل الهدوء الذي سلبتموني اياه, ارجعوا لي كل احلامي وكل همومي وكل الأحزان..

بقصور من العاج بنينا, بيننا وبين الرياح أقمنا, علّ المكان يخطئنا.. أجدل في ذهني المكسور, خلائط الأسرار, أجدل الحكايا والخبايا, بين كل ستار وستار. أضيّع بعض الحروف هنا وهناك, بين كل ستار وستار, أكرر على مسامعي كل يوم, كم أني مجرّد حلقة ناقصة معلّقة على شفير الزمن…

تجلس الفتاة المغرمة, حتى العظم, أمام مرآتها. تحيك بعض القصص والروايا, عما يمكن ان يخبّئه لها المستقبل, كيف سيكون شكلها يا ترى, وهي ترتدي فستان “الفرح”. تحاول ان تنهض لتختبأ سريعا في خزانة والدتها, تبحث فيها عن كل ما يشبهها, وتغرق هناك للأبد…

تلوح عصا سحريّة أمام ناظريها, تقول لنفسها “لا بد أنني أحلم” خلال اجزاء الثانية الواقعة ما بين فستان وآخر. يعبر صوت مجنون قرب أذنيها, تختلج صدرها انقاباضات عميقة وموجعة, يهزّ أحشائها ذلك الصوت العميق الذي لا يخلو من سحنة الشرّ في خباياه..

-“ستكونين أمرأة”.

-“ولكنني فعلا فتاة, وهذه الملابس عليّ أليست دليل؟ ” تقول الفتاة العالقة في الخزانة.

-“لا بل انت ذبيحة أمّك والوالد, وهذا المجون الذي تعيشين فيه, أوجب لك العقاب” تصيح الساحرة.

-“ولكن.. ولكن…” تتعثر كل الكلمات على لسانها, وتمنعها من الكلام لعثمات غير معتادة.

-“كفى, لا تقاومِ, فما كتب قد كتب, وستتحولين الى أمرأة” بنبرة ساخرة تجيب الساحرة.

ينطوي الليل, والفتاة تصحو, وكأن شيئا لم يكن. غرفتها لا زالت كما هي, ما عدا الفتاة التي تركتها بلا “بيجاما” ليلة امس, يبدو انها سئمت الانتظار ورحلت. الخزانة مفتوحة بعض الشيء, دخان سيجارتها الصباحية يحاول الوصول الى النافذة, رائحة القهوة التي تعدّها تحاول الوصول الى انوف كل المارين في الشارع, ولكن دون جدوى.. يسترق الضوء العابر بين انسجة الستائر الحمراء, بعض النظرات على الفوضى العارمة في المكان.. سيارات تمر على الطريق العام بهدوء على غير عادتها. “آه, يبدو انّه يوم الأحد, هذا طبيعي ايام الآحاد, ولكن .. البارحة كان يوم الاثنين, ها !” تشمّ الفتاة رائحة الغرابة, تحاول ان تنبّه نفسها, ولكنّها في نفس الوقت لا تريد الابتعاد عن النافذة, تريد مشاهدة ذلك الفتى الجميل وهو يغير ملابسه, دائما ما يترك شباكه مفتوحا, كما لو أنّها دعوة مجانية لمشاهدة جسده العاري وكيف ينعكس الضوء على جسده كما لو أنّه رخامة..

تحاول ترتيب الغرفة سريعا, لا لشيء سوى انّ هاتفها الجوال يرنّ في مكان ما تحت هذه الفوضى…

تتنبّه انّها نسيت اغلاق خزانتها, تغلق بابها, ويتجمّد الدم في عروقها.. “لا” تصرخ مذعورة, وقد صارت بلا ألوان, نظراتها تخلو من اي تعبير, كالذي ينظر في السماء منتصف الليل. تحاول ان تفرك عينيها, علّ الذي تراه في المرأة ليس انعكاس وجهها, تحاول ان تتلمس شفتيها, وجهها, بلا جدوى, فهذه في المرآة هي, ولكن لماذا صرت اشبه أمّي كثيرا؟ تحاول ان تتذكر كل ما حصل معها الليلة الماضية..

هل حوّلتها ساحرة ملعونة الى “أمّها”.. تتسأل! تحاول ان تستوعب الذي جرى معها, لقد تقطّعت كل عرى الحقيقة. تتلمس ثدييها الذين صارا بحجم رمانة, يجتاحها شعور عارم بالسعادة, فهي لطالما ارادت ان يصير لها ثديين بهذا الحجم.. تفتح الخزانة مجددا, لتجد ان لا أثر لقلم الكحل الذي تركته بالأمس على رف الخزانة العلوي, لا شيء.. ولا أثر أيضا للساحرة الملعونة.

يحاصرها قلق مستبّد, بينما تلقي بثقلها على السرير, يزعجها شيء ما, على الرغم من ان أقصى أحلامها, في أعلى درجات الفاتزم عندها, لم تكن تريد سوى هذا, ان تتحول الى امرأة كوالدتها. تحدّق في سقف غرفتها, تحاول ان تنفث دخان سيجارتها الثانية بعيدا عنها, لا ينقصها الا هذا الدخان.. ساعات تمر, ضوء الشمس العابر صار اضعف, ويخفت أكثر مع مرور كل ثانية بقربها.. أنفاسها المتسارعة, هذا الحدث الغامض, أثار عندها كل الأسئلة المحرّمة, “من أنا؟”

لا شيء يمنعها عن الكلام, لكنّها لم تعد تجد أي شيء لتتكلم عنه…

بكامل حريتها, تنفض رماد سيجارتها, وتحوّل كل الهدوء القاتل في غرفتها, الى صوت عنيف.. “لا” هو الرفض, ترفض ذلك المفروض كلّه, الموروث كلّه, الممنوع كلّه, وكل المحرّم…

سيجارة, سيجارتان, ثلاث, أربع … وتمتلأ المنفضة سريعا, اشلاء السجائر تنشر فيها, بطريقة مجرّد عبثية.. فجأة يعبق المكان برائحة عطر فرنسي آخاذ. تنهض الفتاة من مكانها, متتبعة اثر العطر, تفتح الستائر, لتجد ان المساء قد حل على اهل الأرض.

كم تمنّت لو أنّها مجنونة بلهاء. تمشي تخبط يديها, تغيّر لون جدار غرفتها البيضاء الى أسود, تحوّل كل شيء الى مجرّد لون باهت, تريد جوّا يميل الى الكآبة أكثر, جوّا يحملها على الكتابة أكثر.. كم وكم أرادت ان تجلس على كرسيّ هزاز, مصنوع من خشب وتعب.. كم وكم أرادت الجلوس عليه وهي تنتعل “الستيلتو” العالي, وارادت اسما, اسما فقط يناسبها…

بكلّ الحريّة تريد ان تستنشق عبير البحر الهائج, تريد ان تترجمه الى لغة تشبه لغة الأغريق, أو صوت موسيقى كنعانية.. يسرع الدخان هربا الى شق النافذة المفتوح, من ان يتحوّل هو الآخر الى مجرد بقع من الحبر الأزرق على وريقاتها, وخوفا من أن يصير فصلا جديدا من حكاياتها…

هذا جرس منزلها يرنّ, تراه من يكون هذا الزائر غليظ الدم؟ من هو هذا الذي يأتي في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل؟ تقوم من مهدها الفتاة, تمشي وهي شبه نائمة, بضع خطوات لتصل نحو الباب, تنظر من خلال ثقب الباب, تراه من يكون؟ يشبه والدها! هل يعقل هذا؟ لكنّه يبدو أصغر سنّا, يبدو أكثر شبابا. هذا غريب ولكن ما الذي يفعله هنا, ماذا يريد الآن وفي هذا الوقت من المساء؟ تفتح الباب, ينظر في عينيها, كعاشق ألف عينيّ حبيبته, ينظر في عينيها, كأنّه عاشق ألف حبيبته, وتكلّما معاً حتى ملّا الكلام, ولم يعد هناك ما يكفي من الحروف والجمل كيّ يعبّر عمّا اختزنه من عشق…

وهذا جرس الهاتف يرن مجددا, نسيت الفتاة ان عليها البحث عن هاتفها…

To Be Continued…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s