“الترانسجدر” بين التحليل النفسي “الفرويدية” والميثولوجيا الشعبية


قد يكون من المستحيل الحصول على دراسة متأنية وحقيقية والأهم واقعية, عن الجنسانية البشرية والانتماء الجندري الانساني. فنحن وعلى الرغم من السنوات الطوال (ابتداءً بفرويد حتى وقتنا الحالي) التي امضاها الباحثون النفسيون والاجتماعيون, لا نجد ان احدا تطرق للموضوع بطريقة واقعية او بمعنى اصحّ بلا توقعات مسبقة للنتائج وخالية من النظرة المسبّقة او النمطيّات المتأتيّة من الخلفيات الدينية او الثقافية وحتى الاجتماعية منها. على العموم يبدو ان المؤكّد الوحيد في كل الابحاث العلميّة والدراسات النفس-اجتماعية انّ مثل هؤلاء الأشخاص كانوا موجودين على مرّ العصور ووجدوا في كلّ الحضارات, وهم بالتأكيد سيبقون موجودين طالما انّ العنصر البشري موجود.

كان لافتا في السنوات العشرين الماضيّة طفو هذه الطبقة الاجتماعية على السطح سواء على الصعيد الاعلامي او على صعيد قبول المجتمعات وجودهم كفئة طبيعية بالحد الأدنى او قدسية حقهم بالحياة ومساواتهم بالحقوق والواجبات شأنهم شأن أي مواطن آخر كحد أقصى. القوانين الليبرالية التي سمحت بمزيد من الحريات الشخصية. غياب دور الكنيسة الكاثوليكية عن الحياة السياسية وتحييدها. بروز الدراسات النفسية التي بدأت بالانفتاح اكثر على التحليل النفسي والعلاقات الجنسية اللاوعية كما يقول “فرويد”. اللادين والجدليات الماديّة التي تنظر الى البشر على انّهم حيوانات “على نقيض ما تتدعيه الكنيسة” تتحكم بهم وبخياراتهم الرغبات والنزعات على اختلافها سواء الاقتصادية الطبقيّة “ماركس” او الجنسية “فرويد”, او حتى بكون البشر خاضعين لقوانين الطبيعة في النشوء والتطور “داروين”. كل هذه الأبحاث والنظرياتوالدراسات, جعلت دراسة النفس الشرية وخاصة في ما يتعلّق بالمفهمومين الجندري والجنساني صعبة للغاية, وخاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ثقل الارث الثقافي التي تحمله المجتمعات في لاوعيها.

عودة الى “الترانسجدر”, دائما ما حفلت الميثولوجيا الشعبية في طياتها واخبارها واساطيرها الكثير من شخصيات قد تكون ضمن فئة ال”لا-جندر” ( الاله في الديانات الابراهيمية لا يحمل اي جندر فلا يمكن ان يقال عنه ذكر لما يمثّل ذلك من نقص في ذاته) او ضمن فئة تحمل في معانيها وطياتها الكثير من الصفات البيولوجية تارة او النفسية تارة اخرى لكلا الجندرين (هرموفرودايتي, المخنث\المخنثة). كذلك غالبا ما توجد عبارات من أمثال (اخت الرجال, حرام تكوني امرأة, ممحون .. ) التي غالبا ما تدل على تضارب بين المعنى الجندري والمفهوم للجندر. المعجم العربي مليء بعبارات تدل بشقيها المعنوي والنصّي على حضور قوي للمتحولين جنسيا, فنجد مثلا عبارة “مخنث” ( من نيل الأوطار »كتاب النكاح » باب في غير أولي الإربة، الحاشية رقم: 1 قوله : (مخنّث) بفتح النون وكسرها والفتح المشهور : وهو الذي يلين في قوله ويتكسّر في مشيته ويتثنّى فيها كالنساء، وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعاً من الفسقة، ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يعددن هذا المخنث من غير أولي الإربة، وكن لا يحجبنه إلا إن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام) ليس الغريب وجود مثل هذه الشخصيات او الصفات الشخصية في الميثولوجيا الشعبية, الا انّها غالبا ما تتنافى مع الصفات الذكورية. وتجد في اغلب الاحيان ذلك الربط بين “نقص-الذكورة” و “الانوثة-المذكرة” هو ما يثير التعجب في هذه الارث الثقافي سواء العالمي منه او العربي-الاسلامي من ناحية اخرى. لا بد من الاشارة الى ان معظم الاساطير التي تتحدث عن اشخاص بهويات جندرية ملتبسة لا تلبث ان تصفها بالنقص التناسلي رغم كمالها الجسدي فغالبا ما تتصف بعدم القدرة على ممارسة دورها التناسلي فضلا عن رغبتهم في ممارسة الجنس مع اي من الجنسين. ومع مرور الوقت وبعد تحوّل معظم المجتمعات من مجتمعات امومية ولو نسبيا الى مجتمعات ابوية, وبروز عامل الذكورة وطفوها على السطح صارت هذه الصفات تعبّر عن نقص مضطرد في النفس او الانفعال على اساس ان الذكورة توازي الفعل, والانوثة توازي الانفعال ولو كانت لا تعبر حقيقة عن رغبة في الانفعال بالارادة البحتة وانما كانت رغبة بالقوة ( الانوثة تساوي الأمومة بمشتقاتها). لم تكن الاساطير ذات تأثير من ناحية فهم التنوع الجندري البشري وانما جائت لتكمل التحول الفكري الشمولي الذكوري الى طور جديد من اطوار تطوره (الامومي-الأبوي) وقد يكون من ابرز ما يدل على هذه التحول الانتشار الواسع للديانات الابراهيمية, مع ما تحمله من مفاهيم ذكورية-أبوية. هذا من المنظور الميثولوجي التقليدي والقصصي, اما من المنظور التحليلي, فـ “الترانس جندر” بما يعنيه وما يمثلّه في اللاوعي الجماهيري او الشعبي, نجد انّه يحمل بعدا جديدا من ابعاد النفس ورغباتها. غالبا ما يركز البحث النفس-اجتماعي على الرجل كونه مشتاقا, والمرأة موضوعا للشوق. واذا ما اخذنا بعين الاعتبار ما يقوله فرويد عن ان الأشخاص الذين يصنفون كرجل مثالي او كأمرأة مثالية هم قلّة قليلة, الأعم الأغلب من البشر ليسوا كذلك!.

الرجل حسب فرويد يملك “أناً عليا” أكثر صلابة من المرأة وهي غالبا ما تكون اقلّ تأثرا وانفعالا من “الأنا العليا” عند المرأة. بمعنى آخر ما يحاول فرويد قوله هو ان الرجل=الفاعل, والمرأة=الانفعال. وهذا من شأنه ان يكون المقياس لمعرفة مدى كون بعض الذكور “رجالا” ومدى كون بعض الاناث “نساء”. يتابع فرويد انه خلال مرحلة “الماقباوديبية” تكون الأم هي التوجه الحبّي الأوّل لدى كلٍ من الجندرين على السواء, اي ان كلا الجندرين يتعلقون بالأنثى كونها أم وبعدها تحصل العلاقة الثانية “عقدة أوديب” التي اما تفصل الذكر عن امّه ليتماها مع والده, او تتماها الانثى مع والدتها وتتعلّق بالأب. حسب فرويد الكل يمتلك ازدواجيّة في التوجهات الجنسية “bisexuality”. وقد تشكلّ عقدة الأخصاء لدى الذكور وعقدة الذكورة لدى الاناث ملامح الانوثية والذكورة “gender identity” الهوية الجنسية. كل ذلك يحدث في طور يكاد يكون بدائيا قائما على ثنائية (حب-كره), أي غالبا ما تكون هذه النتائج والعواقب والقرارات التي تتخذ في تلك السن من شبه المستحيل تغييرها او الغائها.

واحدة من النتائج التي يترتب عليها اخذ قرارات تكون الصنمية “fetish”, الصنمية او الفيتيش تعني “عبادة” غرض بهدف التعويض عن نقص, او بالأحرى استبدال هدف حقيقي بآخر وهمي يظنّه الشخص يحل محل الحقيقي ويتصل به. بعض الذكور “male” وخلال مرحلة الرضاعة قد لا يحصلون على اشباع الرغبة في المص “فطام مبكّر…” فيلجؤون الى مص اصابعهم, او قد لا يستطيعوا التخلص من هذه الرغبة فيحملوها الى اطوار لاحقة من حياتهم. آخرون يرفضون في مرحلة معينة قبول فكرة افتقار المرأة للقضيب, او قد يعتقدون انه قد تم اخصائها, فيحملون المسؤولية للأب, فيعتقدون انّ الأب هو مسؤول عن سلب الأم من قضيبها “اخصائها” فتنشأ عندهم عقدة اساسية ولا يتخلصون من عقدة اوديب التي تفضي في مراحلها الأخيرة التماهي مع الأب. وبما أنّهم حاولوا كبت فكرة عدم وجود قضيب عند المرأة, يتحوّل ذلك فيما بعد الى انكار للواقع, ويحاولون بعدها ايجاد بديل عن القضيب لعبادته “صنم”. صنم القضيب هذا قد يكون أيّ شيء (قدم, حذاء, قضيب اصطناعي…), و اذا حصل وان تعرّف على وجود جسد أنثى ولكن تمتلك قضيب, عندها يجد نفسه أمام “الحقيقة” التي لطالما آمن بوجودها رغم عدمها. من هنا نشأت هذه فكرة “هرمافرودايتي” وغيرها من الميثالوجيا, “كمال” اصطناعي وهمي سواءً أو حقيقي لا يهم, المهم الحصول على هذا الكمال. بالتأكيد قد يبدو هذا الكلام مبهما او غير مفهوم, ولكنّي أعتقد انّه اقرب الى الواقع, والا فمن أين نشأت هذه الرغبة, وهذا الانجذاب للمتحولين جنسيّا ؟ هي صنميّة الموضوع (او حقيقته في حالتنا هذه), ما يشكّل حقيقة الرغبة, وحقيقة الانجذاب.

… قرأت الفتاة كل هذا وفهمت نصفه النصف الآخر لم يعنيها أبدا. قالت مرّة في نفسها حين شاهدت حفلة لأم كلثوم بالأبيض والأسود, سألت نفسها لماذا لا أقوم برحلة الى مصر, لأجمع من تبقى من جوقتها على قيد الحياة. ولنستمع بالموسيقى الحقيقية حد الثمالة, فلنجمعهم حتى لو لم يبقى من الجوقة الا الطبال, ولنحي حفلة لأم الموسيقى ثم فلنعلن انتحارنا كلنا نحن العرب…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s