اليوم يأتي غدا 2


يجلس متكأَ على الحائط, الليل اوّله, ساعته متوقفة عند آخر لقاء, يبدو على وجه التعب واضحا. ينظر في هاتفه الجوال, ويتأفف من كل الرسائل النصيّة المهمة على هاتفه.

على الجانب الآخر من الحائط, تجلس فتاة شقراء, وكأنّها ظلّه وتجلي روحه.

تجلس متكأة على الحائط المقابل, تحاول ان تكلّمه, لتفهمه سرّ غموضها, تقول العبث بالوقت ممكن, انا آلهة الزمن المتبقي من عمرك… اين زيّك المغسول؟ أين قمصانك البالية؟ اين رقصاتك المهترأة ؟ اين جبينك لا ينحي للزمن؟ اين انت الآن ؟ أريد ان اركع بين قدميك انهيارا, اتلمّس من كفيّك نهارا, وغسق من الليل …. وتتسأل, ترى حين يكون الجميع عميانا, وانت الوحيد الذي تبصر هل تصير شاذا عن القاعدة؟

دائما ما كنت اتسأل لما كان كل الأطفال سعداء, حين كنّا نذهب انا واياك الى مدينة الملاهي, لما كان كل الأطفال سعداء ما عداي؟ لماذا ؟ ترى هل تكون لماذا الهواء هكذا ثقيل؟ علب الفحم, الأراكيل على قوارع الطرقات…

محبوس في داخلي, يطبق علي الهدوء ثوان معدودات ثم يتركني, ويتعرض لي وانا في طريق العودة الى المنزل. يقتلني بسكونه, يتنزّل عليّ كما الآيات تتنزّل..

جميلة انت, حين تكونين وحيدة.. جميلة انت حين تحدّقين في مروج خضراء, كم تتلألأ عيناك حين يداعب النسيم وريقات الشجر, جميلة انت حين تتقمّصك روح الدهشة, الدهشة الأولى من الأشياء المعتادة الروتينية. حين تكونين معي يصير كل شيء جديدا عندك, أول غروب للشمس, أول اشراقة لها, أوّل مشية لكلينا تحت المطر وهو يقرع أسفلت الطريق. يقول كل هذا ساعة الوداع, ويمضي لشأنه..

يولد الأنسان وعلى محيّاه جمل من المعقول واللامعقول, كلمات قصار واحرف مبعثرة, هكذا يصير الانسان المخلوق الوحيد على هذه الجهنم الأرضية الذي يحدد ماهيته, هو سواء بعقله الماديّ البحت, أو بروحه الهيغيليّة يحدد ما هو. مشكلتنا الحقيقية نحن بني البشر اننا لم نفهم يوما ما الذي يعنيه وجودنا وما هو الرابط بيننا وبين الأرض التي نعيش عليها. كيف يمكن لصحراء مثلا ان تشكّل ثقافة وكيف يمكن لسهل أخضر ان يكوّن حضارة. حاول العديد من رواد علماء الاجتماع وصف ذلك الرابط وسبر أغوار اسراره, الا أن أيّا منهم لم يصب الحقيقة كلّها, قبل ان يخرج فرويد بفكرة التحليل النفسي. فكرة اللاوعي وحدها كافية لشرح كل مكنونات النفس البشرية ودوافعها في التقدم والرقي والحضارة والبداوة. كيف انّه بامكان اي شخص ان يؤثر فيك سلبا او ايجابا بالايحاء فقط لا غير, وكيف ان الانسان بوعيه المجرّد لا يمكنه اخذ القرارات الحاسمة والمؤثرة في حياته وانما عليه ان يخضعها لمجموعة من المفاهيم والقيم التي يقررها المجتمع او العقل الجماعي في مجتمع ما. وهي ما شرحها فرويد وسمّاها ب “الهو” “Super-Ego”, خاضعة بالكامل لمفاهيم الدين والاعراف الاجتماعية. وفي الوقت الذي كان فيه العرب يتخبطون فيما بينهم بحثا عن هوية لهم, خرجت الجدليات المادية والجدليات الهيجيلية الى الوجود, حاولوا كلٌ بقدراته العقلية والعلمية سبر أغوار الحياة واخيرا بات بامكان ايّ كان ان يسأل السؤال الوجودي الأهم “من نحن؟”.

بين الارادة وبين الممكن هوّة شاسعة لا تقاس بالكيلومترات وانما بالسنوات الضوئية الشاسعة. لكن يبقى سؤال شائك ومعقّد طرحه مرّة ماركس في مقالته “حول المسألة اليهودية” خريف 1843, يطالب اليهود الألمان بالتحرر، فبأي تحرر يطالبون ؟ وهو أم الأسئلة التي قد تجد وقد لا تجد لها جوابا شافياً, والسؤال هنا لا يطرح فقط عن اليهود, وانما عن كل الأديان. فحين يطالب المسيحيون بوطن خاص لهم, كذلك حين يطالب المسلمون بوطن لهم والتحرر فأي وطن وأي حرية هم يطالبون بها؟ هل التحرر من الوطن؟ وما هي القيمة المضافة على الانسان حين يضاف الى اسم الانسان بدل من موطنه دينه؟ تبدو هذه الأسئلة غير ذي قيمة حين تطالعها لأوّل مرّة فنحن في وطننا العربي اعتدنا دائما ان نلحق بأدياننا وليس بأوطاننا فالولاء للدين يرقى ويسمو على الولاء للوطن. واذا كان فرويد قد عرّف “الأنا السفلى” انّها مرتبطة باللذة وانها مجموعة النزوات والرغبات النفسية, فهل يقع الدين في حالتنا هذه, اذا ارتبط بالصلاحيات والنفوذ والامتيازات, في خانة الأنا السفلى؟ علينا نحن كشعوب التفكير مليّا في قيمة الدين الحقيقية لا الى القيمة المضافة التي تعطينا اياها الأديان. هو سؤال مشروع تماما.

كثيرة هي الأشياء التي تشغل بالي هذه الأيام, هل الأنسان فعلا ما يزال بدائي التفكير؟ وهل فعلا نملك حرية التفكير والتقرير في ما يخص مصائرنا وصيروراتنا؟ على العموم هذه الأسئلة وغيرها لا يمكنني الأجابة عنها ولا يمكنني ايضا ان احصل على اجوبة سريعة لها, قد أحصل على اجاباتها وقد لا أحصل. ولكن ما أرجوه هو ان يجد الجنس البشري أجوبة سريعة لها والا فعلى الانسان السلام…

لا تجادل كثيرا في الحقائق, قم من مكانك مسرعا وحاصر ذاتك, قبل ان تنتقم من وجودك وتحولك الى كل ما أردته يوما, هي روحك محاصرة خلف الحائط, قم وانتقم من وجودها.. تجيبه الفتاة. وأريد الركوع بين قدميك, أريد تقبيل يديك سريعا وبهدوء, بعدها أريد الرحيل كشبح.. أنت منزلي, حين تصير كل الأمكنة شخصا.. أنت منزلي…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s